صديق الحسيني القنوجي البخاري
144
فتح البيان في مقاصد القرآن
من القصة والخطاب لليهود المعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإسناد القتل والتدارىء إليهم ، لأن ما يصدر عن الأسلاف ينسب للأخلاف توبيخا وتقريعا . قال الرازي في تفسيره اعلم أن وقوع القتل لا بد أن يكون متقدما لأمره تعالى بالذبح ، فأما الإخبار عن وقوع القتل وعن أنه لا بد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدما على الإخبار عن قصة البقرة ، فقول من يقول هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يقدم ذكر السبب على الحكم ، وأخرى على العكس من ذلك ، فكأنهم لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم اللّه بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً من قبل ، ونسب القتل إليهم لكون القاتل منهم انتهى ، والقتيل اسمه عاميل ذكره الكرماني وقيل نكار حكاه الماوردي وقاتله ابن أخيه وقيل أخوه . فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختلفتم وتنازعتم لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفعه وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي ما كتمتم بينكم من أمر القتل فاللّه مظهره لعباده ومبينه لهم ، وعن المسيب بن رافع قال ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها اللّه ، وتصديق ذلك في كتاب اللّه . وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو أن رجلا عمل عملا في صخرة صماء لا باب لها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائنا ما كان » « 1 » . وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر اللّه عليه منها رداء يعرف به » ، والموقوف أصح ، ولجماعة من الصحابة والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى . فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها يعني القتيل ، واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا به القتيل فقيل بلسانها وقيل بعجب الذنب وقيل بفخذها اليمين ، وقال ابن عباس بالعظم الذي يلي الغضروف ، وهو أصل الأذن ، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم ، ويكفينا أن نقول أمرهم اللّه بأن يضربوه ببعضها فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به ، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم إذا لم يرد به برهان ، وليس في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يدل على ذلك البعض ما هو ، وذلك يقتضي التخيير .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 28 .